محمد جمال الدين القاسمي

43

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ل ( فباشروهنّ ) . وقيل : الكلام محمول على المعنى ، والتقدير : فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهنّ . ودلّ على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة . فعلى هذا ، ( الآن ) على حقيقته . وأصل ( المباشرة ) إلصاق البشرة بالبشرة . كني بها عن الجماع الذي يستلزمها وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ تأكيد لما قبله ، أي : ابتغوا هذه الرخصة التي أحلّها لكم . و ( كتب ) هنا ، إمّا بمعنى جعل كقوله كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ المجادلة : 22 ] ، أي : جعل ، وقوله فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ * [ آل عمران : 53 ] ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] ، أي : أجعلها . أو بمعنى قضى ، كقوله : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] ، أي : قضاه ، وقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ المجادلة : 21 ] ، وقوله : لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ [ آل عمران : 154 ] ، أي : قضي . قال الراغب : في الآية إشارة في تحرّي النكاح إلى لطيفة . وهي : أن اللّه تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية ! كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ! فحقّ الإنسان أن يتحرّى بالنكاح ما جعل اللّه له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة . فمتى تحرّى به حفظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع ، فقد ابتغى ما كتب اللّه له . وإلى هذا أشار من قال : عنى الولد . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أباح تعالى الأكل والشرب - مع ما تقدّم من إباحة الجماع - في أيّ الليل شاء الصائم إلى أن يتبيّن ضياء الصباح من سواد الليل . وشبّها بخيطين : أبيض وأسود ، لأنّ أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدّ معه من غبش الليل ، كالخيط الممدود . قال أبو دؤاد الإياديّ : فلما أضاءت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط أنارا . . ! وقوله مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض . واكتفى به عن بيان الخيط الأسود ، لأن بيان أحدهما بيان للثاني . وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر الصيام . كما روى الشيخان « 1 » وغيرهما عن سهل بن سعد قال : أنزلت وَكُلُوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 28 - باب قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ - إلى قوله - : يَتَّقُونَ ، حديث 975 . وأخرجه مسلم في : الصيام ، حديث 35 ( طبعتنا ) .